أحمد بن محمود السيواسي
80
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
ثم أخبر تعالى عن جهالة بني إسرائيل بعد إنجائهم من عذاب فرعون وقومه بقوله ( وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ) أي عبرنا بهم « 1 » من البحر ، وكان ذلك يوم عاشوراء ( فَأَتَوْا ) أي فمروا ( عَلى قَوْمٍ ) وهم قبيلة لخم ( يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ ) أي يقيمون على عبادتها ، بكسر الكاف وضمها « 2 » ، من العكوف وهو الإقامة والمواظبة على شيء ، ومنه المعتكف لملازم المسجد مع النية ( قالُوا ) أي الجهال من بني إسرائيل ( يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً ) أي صنما نعبده ونعظمه ( كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) أي أصنام يعبدونها ( قالَ ) لهم موسى ( إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) [ 138 ] خالقكم ومعبودكم وتكلمون بغير علم وعقل . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 139 ] إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 139 ) ( إِنَّ هؤُلاءِ ) أي عبدة الأصنام ( مُتَبَّرٌ ) أي متفرق مهدوم ( ما هُمْ فِيهِ ) أي الذي هم ثابتون عليه من عبادة الأصنام ، يعني ليكسر اللّه أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي من التبر ، وهو كسار الذهب ( وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 139 ] أي مضمحل عملهم لا ينتفعون به . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 140 ] قالَ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 140 ) ( قالَ ) موسى لهم توبيخا ( أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً ) أي أأطلب لكم غير اللّه معبودا ( وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ) [ 140 ] أي عالمي زمانكم بأنعمه عليكم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 141 ] وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( 141 ) ثم بين اللّه تعالى « 3 » أنعمه إياهم بقوله ( وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ ) جمعا لتعظيم المتكلم ، وقرئ مفردا « أنجاكم » « 4 » غيبة ، والفاعل اللّه ، أي اذكروا وقت إنجائنا إياكم ( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) أي من عذابنا ( يَسُومُونَكُمْ ) أي يعذبونكم ( سُوءَ الْعَذابِ ) أي أشده ( يُقَتِّلُونَ ) بالتخفيف والتشديد « 5 » ( أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) للخدمة ( وَفِي ذلِكُمْ ) أي في قتل الأبناء واستخدام النساء ( بَلاءٌ ) أي ابتلاء ( مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) [ 141 ] أي في الإنجاء « 6 » من عذابهم نعمة عظيمة من اللّه ، والبلاء يطلق على النعمة والبلية . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 142 ] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( 142 ) قوله ( وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ) في إخبار عما سأل موسى ربه كتابا لبني إسرائيل يعملون به آمرا وناهيا بعد إغراق آل فرعون في البحر وإنجائهم منهم ، فأمر اللّه موسى بصوم ثلثين يوما ، وذلك بعد أن وعد موسى إسرائيل وهو بمصر إن أهلك اللّه عدوهم أتاهم بكتاب من عند اللّه ، فيه بيان الحلال والحرام ، قرئ « ووعدنا » بغير الألف وبالألف « 7 » ، ومعناهما واحد ، أي أمرنا موسى بأن يصوم ثلثين يوما ، وإنما قال « لَيْلَةً » ، لأن أول الشهور ليلة ، ولأن الظلمة سابقة على النور ( وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ) لأنه لما تم صيام ثلثين يوما وهو شهر ذي القعدة ، فأنكر خلوف فمه لمناجاة ربه فاستاك بعود خرنوب ، فقالت له الملائكة : كنا نجد من فيك ريح المسك فأفسدته بالسواك ، وأوحى اللّه إليه : أما علمت أن خلوف فم الصائم عندي أطيب من رائحة المسك ، فأمره بصيام عشر
--> ( 1 ) عبرنا بهم ، ب م : عبرناهم ، س . ( 2 ) « يعكفون » : قرأ الأخوان وخلف بكسر الكاف ، والباقون بضمها . البدور الزاهرة ، 123 . ( 3 ) اللّه تعالى ، ب س : - م . ( 4 ) « أنجيناكم » : قرأ الشامي بألف بعد الجيم من غير ياء ولا نون ، والباقون بياء ونون بعد الجيم وألف بعدهما . البدور الزاهرة ، 123 . ( 5 ) « يقتلون » : قرأ نافع بفتح الياء وسكون القاف وضم التاء وتخفيفها ، والباقون بضم الياء وفتح القاف وألف بعدهما . البدور الزاهرة ، 123 . ( 6 ) أي في الإنجاء ، س : أو في الإنجاء ، ب ، أي أو في الإنجاء ، م . ( 7 ) « وواعدنا » : قرأ أبو جعفر والبصريان بحذف الألف قبل العين ، والباقون باثباتها . البدور الزاهرة ، 123 .